وهبة الزحيلي

91

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

قال تعالى : وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ . . [ العصر 103 / 1 - 3 ] كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ . . [ المدثر 74 / 38 - 39 ] . و الْمُخْلَصِينَ صفة مدح ، لأن كونهم عباد اللّه يلزم منه أن يكونوا مخلصين . ولهؤلاء المخلصين رزق من اللّه ، معلوم حسنه وطيبه ودوامه دون انقطاع في الجنة ، يعطونه بكرة وعشيا ، وإن لم يكن ثمة بكرة وعشية ، فيتمتعون بلذيذ الفواكه المتنوعة أي الثمار كلها ، فهي أطيب ما يأكلونه ، وذلك الأكل حاصل مع الإكرام والتعظيم ، فهم يخدمون ويرفهون ، ولهم أيضا إكرام عظيم برفع درجاتهم في الجنة عند ربهم ، ويسمعون كلامه ويلقونه في رحاب الجنان . وفي هذا دلالة على أن تناولهم الفاكهة إنما هو تلذذ لا للتغذي والقوت ، لأنهم مستغنون عنه ، لأنهم أجسام محكمة مخلوقة للأبد . ووصف رِزْقٌ بمعلوم ، أي عندهم . وبعد بيان مأكولهم ، وصف اللّه تعالى مساكنهم ، فقال : فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ، عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ أي إن هذا الرزق يأتيهم في جنات ذات نعيم مقيم ومتاع دائم ، وهم على أسرة يتكئون عليها ، ينظر بعضهم إلى وجوه بعض ، بسرور وابتهاج ، لا ينظر بعضهم في قفا بعض ، فصاروا يجمعون بين المتعة المادية الجسدية ، والمتعة الروحية الإنسانية . وبعد بيان صفة المأكل والمسكن ذكر تعالى صفة الشراب ، فقال : يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ أي يدار عليهم بآنية من خمر تجري في أنهر ، والمعين : الماء الجاري ، فهي تخرج من العيون كما يخرج الماء دون انقطاع ، وسمي معينا لظهوره .